يرى مامال بولاديا أن الاحتراق الوظيفي لا يصيب “الضعفاء” أو غير المنظمين، بل يطرق باب من يظنون أنفسهم قادرين دائمًا على التحمل والدفع المستمر. يوضح بولاديا أن تجربته الشخصية مع الاحتراق قلبت فهمه للعمل والإنتاجية رأسًا على عقب، بعدما اصطدم بحالة فراغ داخلي كامل، لا ضغط ولا حماس ولا رغبة، فقط بلادة صامتة مخيفة.

 

يشير المقال المنشور على منصة ميديام  إلى أن الاحتراق الوظيفي لا ينفجر فجأة، بل يتكوّن تدريجيًا عبر تجاهل الإشارات الصغيرة التي يرسلها الجسد والعقل، في ثقافة تشجّع الاستمرار مهما كان الثمن، وتكافئ الإنهاك باعتباره إنجازًا.

 

المقاومة ليست كسلًا.. بل لغة الجسد

 

يشرح الكاتب أن ما نسمّيه “مقاومة” أو “تسويفًا” لا يعني ضعفًا في الإرادة، بل يعكس صراعًا داخليًا بين ما يطلبه الجسد وما يفرضه نمط العمل. يربط بولاديا بين الاحتراق وتراكم “المقاومة الدقيقة”، أي ذلك الإحساس الخفيف بعدم الارتياح الذي يتكرر يومًا بعد يوم، ثم يتحول إلى إنهاك شامل.

 

يفكك المقال العبارات الشائعة التي يردّدها كثيرون عند الشعور بالتعب:

 

- “أحتاج فقط أن أبذل جهدًا أكبر”،

 

- “سأنتهي من هذه المرحلة ثم أرتاح”،

 

- “غيري يعمل أكثر مني، إذن يجب أن أتحمل”.

 

يكشف الكاتب أن هذه الجمل لا تحفّز، بل تدرّب العقل على إسكات الإشارات التحذيرية. يرى أن المقاومة في حقيقتها علامة ذكية يطلقها النظام الداخلي للإنسان ليقول إن الوضع الحالي غير قابل للاستمرار، لا عيبًا يجب سحقه.

 

حين يتحول العمل إلى ضغط دائم

 

يعترف بولاديا بأن أكبر أخطائه تمثّل في ربط الراحة بالكسل، والنظر إلى التوقف القصير باعتباره ضعفًا أخلاقيًا أو مهنيًا. دفعه هذا الاعتقاد إلى بناء روتين قاسٍ، يملأ اليوم بالكامل دون أي فراغ.

 

ينظم الكاتب وقته بالدقيقة، ويعمل خلال فترات الغداء، ويوافق على كل مهمة إضافية وكل اجتماع “سريع”، ويؤجل نفسه باستمرار. يوضح أن هذا النمط بدا ناجحًا في البداية، لأن الإنتاجية ظلت مرتفعة ظاهريًا، لكن الداخل بدأ ينهار ببطء.

 

لا يأتي الانهيار، بحسب المقال، في صورة نوبة توتر حادة أو انهيار عصبي، بل يظهر في صورة أخطر: فقدان الإحساس. يشعر الإنسان بأنه يعمل آليًا دون معنى أو اتصال، وتختفي الرغبة، ويصبح كل شيء ثقيلًا.

 

الاحتراق نقطة تحوّل لا نهاية

 

يؤكد الكاتب أن اللحظة الحاسمة لم تكن درامية، بل هادئة ومقلقة. لا يشعر بالذعر، بل يشعر بالفراغ. يدرك حينها أن المشكلة لا تكمن في قلة الجهد، بل في طريقة العمل نفسها.

 

لا ينقذه إجازة طويلة أو انسحاب كامل من الحياة المهنية، بل يقوده قرار بسيط ومتدرج إلى التعافي: الإصغاء. يبطئ الإيقاع، ويخفف الضغط الدائم، ويتخلى عن فكرة “الحضور المستمر”، ويعيد تعريف الراحة بوصفها وقودًا لا ترفًا.

 

يطرح المقال فكرة مركزية مفادها أن الاحتراق لا يعني الانكسار، بل يفتح بابًا لإعادة تقييم العلاقة بالعمل، وبالذات، وبالقيمة الشخصية. يرى بولاديا أن “العمل الحقيقي” لا يقتصر على إنجاز المهام، بل يبدأ بالانتباه للمشاعر، وملاحظة لحظات الهبوط، والتوقف قبل الوصول إلى الحافة.

 

يختتم الكاتب بأن الإنتاجية الصحية لا تعني العمل ضد الطاقة، بل العمل معها. يصف الاحتراق الوظيفي بأنه رسالة صريحة، وأحيانًا أقوى إشارة يمكن أن يتلقاها الإنسان ليعيد بناء طريقته في العيش والعمل.

 

https://medium.com/@mamal.karani/burnout-isnt-failure-it-s-a-signal-to-change-how-you-work-f2552cfcf40f